الشيخ محمد هادي معرفة
52
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
نقص عن بعض ذلك ممّا ليس بواجب معرفته في تفسير القرآن ، وأحسّ من نفسه في ذلك بنقصه ، واستعان بأربابه ، واقتبس منهم ، واستضاء بأقوالهم ، لم يكن - إن شاء اللّه - من المفسِّرين برأيهم . وأخيرا قال : ومن حقّ مَن تصدّى للتفسير أن يكون مستشعرا لتقوى اللّه ، مستعيذا من شرور نفسه والإعجاب بها ، فالإعجاب أُسّ كلّ فساد . وأن يكون اتّهامه لفهمه أكثر من اتّهامه لفهم أسلافه الذين عاشروا الرسول وشاهدوا التنزيل وباللّه التوفيق « 1 » . ولقد أحسن وأجاد فيما أفاد ، وأدّى الكلام حقّه في بيان الشرائط التي يجب توفّرها في كلّ مفسِّر ، حتّى يخرج عن كونه مفسِّرا برأيه ، وبشرط أن يراعي تقوى اللّه ، فلا يقول في شيء بغير علم ولا كتاب منير . * * * قال جلال الدين السيوطيّ : ولعلّك تستشكل علم الموهبة ، وتقول : هذا شيء ليس في قدرة الإنسان . وليس كما ظننت من الإشكال ، والطريق في تحصيله ارتكاب الأسباب الموجبة له من العمل والزهد . قال الإمام بدر الدين الزركشيّ : اعلم أنّه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي ، ولا يظهر له أسراره ، وفي قلبه بدعة ، أو كِبر ، أو هوًى ، أو حبّ الدنيا ، أو هو مصرّ على ذنب ، أو غير متحقّق بالإيمان ، أو ضعيف التحقيق ، أو يعتمد على قول مفسِّر ليس عنده علم ، أو راجع إلى معقوله . وهذه كلّها حجب وموانع بعضها آكد من البعض . قال السيوطيّ : وفي هذا المعنى قوله تعالى : « سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ » « 2 » . قال سفيان بن عيينة : يقول تعالى : أنزع عنهم فهم القرآن « 3 » . قلت : وهكذا قوله تعالى : « إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ » « 4 » فلا تتجلّى حقائق القرآن ومعارفه الرشيدة إلّا لمن خلص باطنه وزكت نفسه عن الأدناس
--> ( 1 ) - . مقدّمته في التفسير ، ص 93 - 97 . ( 2 ) - . الأعراف 146 : 7 . ( 3 ) - . أخرجه ابن أبي حاتم ، الإتقان في علوم القرآن ، ج 4 ، ص 188 . ( 4 ) - . الواقعة 77 : 56 - 79 .